
لا تُهدم الحضارات بمدافع الأعداء فحسب، بل تُقوض أركانها من الداخل حين تتسلل (الفيروسات الأربعة) إلى جسد المجتمع، فتصيبه بالشلل الحضاري والوهن التاريخي فنهضة الأمم ليست مجرد أرقام في ميزانيات أو ناطحات سحاب، بل هي روح تتدفق في عروق الشعب، وحين تُحبس هذه الروح، تسقط الدولة في فخ التخلف وإن ملكت كنوز الأرض.
تبدأ رحلة السقوط بـ (العقل المتحجر) الذي يمثل سجناً للماضي وقيداً للمستقبل، حيث يرى في كل جديد تهديداً وفي كل تطوير بدعة، مكتفياً باجترار الأمجاد القديمة دون بناء حاضر ملموس، مما يحكم على الأمة بالتحنط في متاحف التاريخ بينما يركض العالم من حولها. ويتزامن ذلك مع صعود (نخبة المصالح) التي تخون دورها كضمير للأمة فبمجرد أن يتحول المثقف والأكاديمي إلى صياد فرص يبيع مبادئه لأجل مكاسب زائلة وينفصل عن آلام الشارع، تفقد البوصلة اتجاهها وتتحول هذه النخبة إلى غدة تلتهم مقدرات الشعوب وتقتل الأمل.
أما الصمت المطبق فهو يمثل البيئة الخصبة لنمو الفساد، إذ إن السكوت أمام الباطل ليس حكمة بل هو انتحار جماعي يوقع صك الاستعباد، فالأمة التي لا تملك شجاعة قول “لا” أمام الظلم ستفقد قريباً قدرتها على قول “نعم” للحرية. وتأتي الطعنة القاتلة من العدالة العرجاء التي تميل مع الأقوياء، فحين يتحول القانون إلى شبكة تصطاد الضعفاء ويهرب منها الكبار، تسقط هيبة الدولة وتنتشر شريعة الغاب، إذ لا نهضة لقضاء يرتعش أمام القوي ويتجبر على المسكين.
إن التاريخ لا يرحم الواقفين على الرصيف، والنهضة ليست هبة تُمنح بل هي انتزاع للحقوق وإعمال للعقول، وإذا أردنا أن نحجز لنا مقعداً في مستقبل البشرية، فلا بد من كسر قيود هذا المربع القاتل الذي يرهن إرادة الأمم ويصادر مستقبلها….
اللهم لا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، وهيئ لنا من أمرنا رشداً، وولي علينا خيارنا.

